دار تروي

اليوميات٢٩ يوليو ٢٠٢٦

عندما تصمت المحكمة: ماذا يعني إغلاق قضية عبد الله بندا لضحايا دارفور؟

بقلم دار السلام وداعة

اليوميات هي صوت دار وحدها — رأيها، موقّعاً ومؤرخاً. أما المواقف الصادرة باسم «دار تروي» فتُنشر في البيانات


لم يكن قرار المحكمة الجنائية الدولية بإنهاء الإجراءات في قضية عبد الله بندا مجرد خبر قانوني بالنسبة لضحايا دارفور بل كان لحظة أعادت إلى الأذهان سؤالاً ظل حاضراً لأكثر من عشرين عاماً: هل ما زالت العدالة الدولية قادرة على الوفاء بوعدها للضحايا؟

أكتب هذه الكلمات وأنا مؤمنة بأن إستقلال القضاء ركيزة أساسية للعدالة وأن المحاكم لا تبني قراراتها على العواطف أو الضغوط السياسية وإنما على القانون والأدلة. لذلك فإن مناقشة هذا القرار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تشكيكاً في المحكمة الجنائية الدولية بل تعبيراً عن قلق مشروع من الآثار التي قد يتركها على الضحايا وعلى مستقبل المساءلة في السودان خصوصاً في الوقت الحالي.

لقد انتظر آلاف الضحايا في دارفور سنوات طويلة وهم يعتقدون أن المحكمة الجنائية الدولية ستكون المكان الذي يجدون فيه الاعتراف بمعاناتهم ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت بحقهم. لم يكن انتظارهم انتظاراً لحكم قضائي فحسب بل انتظاراً لوعد أخلاقي قطعه المجتمع الدولي على نفسه وهو أن الجرائم التي هزت ضمير الإنسانية لن تُترك بلا مساءلة.

من الناحية القانونية فإن إنهاء الإجراءات في قضية عبد الله بندا لا يعني صدور حكم بالبراءة ولا يعني أن الجرائم المنسوبة إليه لم تقع. فالقرار يعكس تقييماً من الادعاء بأن الأدلة المتاحة لم تعد كافية للاستمرار في المحاكمة في هذه المرحلة. وهذا تمييز قانوني مهم يجب ألا يغيب عن النقاش العام. غير أن الأثر الإنساني والسياسي للقرار يظل قائماً لأن الضحايا لا ينظرون إلى العدالة من زاوية الإجراءات وحدها بل من زاوية النتائج أيضاً .

لقد أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998 لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. وتؤكد ديباجة النظام أن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب وأن ملاحقة المسؤولين عنها تسهم في منع تكرارها. ولم يكن ذلك مجرد إعلان للمبادئ بل تعهداً أخلاقياً وقانونياً بأن الجرائم الدولية لن تُنسى مهما طال الزمن.

كما يقوم نظام روما الأساسي على مبدأ التكامل الذي يجعل الاختصاص الأصلي للقضاء الوطني بينما تتدخل المحكمة عندما تكون الدولة غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات ومحاكمات حقيقية. وفي الحالة السودانية وبسبب عقود من النزاعات المسلحة وضعف المؤسسات أصبحت المحكمة بالنسبة لكثير من الضحايا الأمل الأخير في الوصول إلى العدالة.

وقد تتأخر العدالة لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وعد مؤجل إلى أجل غير معلوم.

ومن المبادئ الراسخة في القانون الدولي أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم. وقد كرست اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية لعام 1968 هذا المبدأ بصورة واضحة لأن مرور الزمن لا ينتقص من جسامة هذه الجرائم ولا يمحو حق الضحايا في المطالبة بالحقيقة والعدالة. ولذلك فإن إنهاء الإجراءات في قضية معينة لا يعني بالضرورة انتهاء المسؤولية القانونية إذا ظهرت أدلة جديدة تسمح بإعادة فتح القضية وفقاً للإجراءات المقررة.

ولا يقتصر القانون الدولي على ملاحقة الجناة بل يعترف أيضاً بحقوق الضحايا. فقد أكدت المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف والجبر لعام 2005 حق الضحايا في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والحصول على جبر الضرر وضمانات عدم التكرار. وهذه المبادئ تذكرنا بأن العدالة لا تُقاس فقط بعدد القضايا التي تُفتح أو تُغلق وإنما بقدرتها على الحفاظ على ثقة الضحايا في سيادة القانون.

إن أكثر ما يثير القلق اليوم ليس القرار القضائي في حد ذاته وإنما الرسائل التي قد تُستخلص منه. فقد يشعر بعض الضحايا بأن سنوات الانتظار الطويلة لم تقربهم من العدالة كما كانوا يأملون بينما قد يقرأ بعض مرتكبي الانتهاكات المشهد باعتباره دليلاً على أن تعقيد النزاعات أو مرور الزمن أو ضعف التعاون الدولي قد يؤدي في النهاية إلى الإفلات من العقاب والسودان اليوم يشهد تراكماً للضحايا و مرتكبي الانتهاكات . وربما لا يكون هذا هو المعنى القانوني للقرار لكنه يظل خطراً سياسياً لا يمكن تجاهله.

ويكتسب هذا القلق أهمية مضاعفة في ظل الحرب المستمرة في السودان حيث لا تزال الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين تتواصل في أكثر من منطقة. فإضعاف الثقة في العدالة الدولية لا يؤثر في الجرائم الماضية فحسب بل ينعكس أيضاً على فرص مساءلة المسؤولين عن الجرائم التي تُرتكب اليوم.

إن مسؤولية حماية العدالة لا تقع على المحكمة وحدها بل تمتد إلى الدول الأطراف في نظام روما الأساسي وإلى المجتمع الدولي وإلى السلطات الوطنية متى أصبحت قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها. فحماية الأدلة وتأمين الشهود وتعزيز التعاون مع المحكمة ليست إجراءات فنية فحسب بل هي الضمان الحقيقي لعدم ضياع حقوق الضحايا بسبب تعقيدات السياسة أو طول الإجراءات.

لقد علمتنا تجارب رواندا ويوغوسلافيا السابقة أن العدالة قد تتأخر لكنها عندما تتحقق تترك أثراً يتجاوز قاعات المحاكم. فهي تعيد الاعتبار للضحايا وتؤكد أن الجرائم الجماعية ليست وسيلة يمكن التسامح معها لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. كما أن المساءلة لا تعيد الماضي لكنها تضع أساساً لمستقبل أكثر استقراراً وتبعث برسالة واضحة مفادها أن القانون سيظل أقوى من السلاح.

وفي المقابل فإن غياب العدالة أو تراجع الثقة فيها لا يضر الضحايا وحدهم بل يهدد فرص السلام نفسها. فالسلام الذي يُبنى على تجاهل الانتهاكات أو تجاوز حقوق الضحايا يظل سلاماً هشاً لأن الجراح التي لا تجد اعترافاً ولا إنصافاً تبقى مفتوحة وقد تتحول مع مرور الوقت إلى أسباب جديدة للعنف وعدم الاستقرار.

وفي السودان لا يمكن النظر إلى هذا القرار بمعزل عن الواقع الراهن. فالحرب المستمرة منذ عام 2023 شهدت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ولا يزال آلاف المدنيين يدفعون ثمن هذا النزاع. لذلك فإن أي اهتزاز في ثقة الضحايا بالعدالة الدولية ستكون له آثار تتجاوز قضية واحدة ليمتد إلى كل الجهود الرامية إلى تحقيق المساءلة عن الجرائم التي تُرتكب اليوم.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا المقال على أنه اعتراض على قرار قضائي أو دعوة إلى تجاوز القواعد القانونية التي تحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية. فالمحاكم لا تحكم إلا بما يُعرض عليها من أدلة واستقلال القضاء واحترام ضمانات المحاكمة العادلة من المبادئ التي لا يمكن التفريط فيها. لكن من حق الضحايا أيضاً أن يُعبِّروا عن قلقهم عندما يشعرون بأن العدالة التي انتظروها سنوات طويلة أصبحت أبعد مما كانت عليه.

إن العدالة ليست مجرد أحكام تصدرها المحاكم بل هي ثقة تبنيها المؤسسات ورسالة أخلاقية تؤكد أن حياة الإنسان وكرامته ليستا موضع مساومة. وعندما تهتز هذه الثقة تصبح مسؤولية المجتمع الدولي أكبر ليس فقط في دعم المحكمة وإنما في تعزيز التعاون معها وحماية الشهود والحفاظ على الأدلة وضمان ألا تتحول العقبات الإجرائية إلى طريق يؤدي إلى الإفلات من العقاب.

إن إغلاق قضية عبد الله بندا يجب ألا يكون نهاية الحديث عن العدالة في دارفور بل بداية مراجعة جادة لكيفية تعزيز منظومة العدالة الدولية وتوفير الموارد والتعاون اللازمين حتى تتمكن من أداء رسالتها على الوجه الذي أُنشئت من أجله.

قد تُغلق الملفات داخل المحاكم لكن ذاكرة الضحايا لا تُغلق.

قد تُغلق الملفات داخل المحاكم لكن ذاكرة الضحايا لا تُغلق. وقد تتأخر العدالة لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وعد مؤجل إلى أجل غير معلوم. فالجرائم الدولية الخطيرة لا تسقط بالتقادم وحقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة والإنصاف وجبر الضرر تظل قائمة مهما طال الزمن.

إن أكبر تحدٍ يواجه العدالة الدولية اليوم ليس مجرد إصدار الأحكام بل الحفاظ على ثقة الضحايا في أن العالم ما زال يؤمن بأن كرامتهم تستحق الحماية وأن معاناتهم لم تُنس وأن القانون الدولي ما زال قادراً على أن يكون صوتاً لمن حُرموا من صوتهم.

وفي النهاية فإن العدالة ليست انتقاماً بل اعتراف بالحقيقة وإنصاف للضحايا وحماية للمستقبل. وإذا كان المجتمع الدولي قد تعهد بألا يفلت مرتكبو أخطر الجرائم من العقاب فإن هذا التعهد يجب أن يظل قائماً بالفعل لا بالقول. فالثقة في العدالة تُبنى بالأفعال وتُهدم عندما يشعر الضحايا بأن الزمن أصبح أقوى من القانون.

سيبقى حق ضحايا دارفور وكل ضحايا الجرائم الدولية في السودان قائماً ما بقيت الحقيقة حية. فالعدالة قد تتعثر لكنها لا تموت وحقوق الضحايا لا تُغلق بقرار إجرائي ولا تُدفن بمرور الزمن لأن الإنسانية نفسها هي صاحبة المصلحة الأولى في ألا يفلت مرتكبو أخطر الجرائم من المساءلة.

https://dar-talks.com/ar/journal/when-the-court-falls-silent/

متاحة بـ:ENFRع