دار تروي

اليوميات٦ سبتمبر ٢٠٢٦

حين تصحح الأمم المتحدة خريطة أفريقيا… من يصحح خريطة السودان؟

بقلم دار السلام وداعة

اليوميات هي صوت دار وحدها — رأيها، موقّعاً ومؤرخاً. أما المواقف الصادرة باسم «دار تروي» فتُنشر في البيانات


في الرابع من سبتمبر 2026 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطوة تاريخية باعتماد قرار «Correct the Map»، الهادف إلى معالجة التشوهات التاريخية في تمثيل أحجام القارات وعلى رأسها التشويه الناتج عن الاستخدام الواسع لإسقاط مركاتور.

العالم مرسومًا بإسقاط «الأرض المتساوية» فوق صور الأقمار الصناعية، مع شبكة إحداثيات كل 15 درجة ودون أي حدود وطنية.
إسقاط «الأرض المتساوية»، وهو التمثيل الذي يشجع قرار الجمعية العامة الصادر في 4 سبتمبر 2026 الدول على اعتماده. الصورة مركّب من صور الأقمار الصناعية مع شبكة إحداثيات كل 15 درجة، ولا ترسم أي حدود وطنية.StrebeCC BY-SA 4.0resized

وقد حظي القرار بتأييد واسع في خطوة أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر من مجرد التقنية الخرائطية:

من يملك حق رسم صورة العالم؟ ومن يحدد كيف يرى العالم أفريقيا؟

نحن في السودان نرحب بكل جهد يسعى إلى تصحيح الظلم الخرائطي الواقع على أفريقيا.

لكننا في اللحظة نفسها نطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا:

إذا كنا نصحح خريطة أفريقيا… فمن يصحح خريطة السودان؟

في أعقاب التصويت على القرار ظهرت في بعض التغطيات الإعلامية الدولية خرائط تُظهر حلايب وشلاتين داخل الأراضي المصرية.

وهنا لا نتحدث عن خطأ بسيط في لون أو حدود رسمية على هامش صورة.

نحن نتحدث عن أرض سودانية ظلت تحت السيطرة المصرية بالقوة وعن قضية سيادة وحدود وحقوق تاريخية وقانونية لم يتنازل عنها السودان.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا:

من أين جاءت هذه الخريطة؟

ومن أعدها؟

ومن راجع حدودها؟

ومن اختارها لترافق حدثًا دوليًا بهذا الحجم؟

وهل كانت هذه الخريطة جزءًا من مواد الأمم المتحدة الرسمية أم أعدتها وسيلة إعلامية، أم حصلت عليها من وكالة أنباء أو شركة متخصصة في الخرائط؟

الخريطة ليست مجرد صورة

لطالما جرى التعامل مع الخرائط باعتبارها أدوات محايدة.

لكن التاريخ يقول شيئًا آخر.

فالخريطة لا تحدد فقط مكان الجبال والأنهار والمدن؛ بل ترسم في وعي الناس تصورًا عن الدول والحدود ومن يملك الأرض.

ولهذا فإن مشروع «Correct the Map» نفسه يحمل دلالة سياسية ومعرفية تتجاوز مسألة الإسقاطات الهندسية.

فإذا كانت الخرائط القديمة قد ظلمت أفريقيا عندما صغّرت حجمها بصريًا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

هل يمكن أن نصحح حجم أفريقيا، بينما نترك خرائط أخرى تصحح تاريخ السودان لصالح دولة أخرى؟

لا يمكن أن يكون تصحيح الخريطة انتقائيًا.

حلايب وشلاتين سودانيتان

من المهم أن يكون الموقف واضحًا هنا.

حلايب وشلاتين سودانيتان.

وهذا ليس موقفًا جديدًا أو طارئًا في الخطاب السوداني، وإنما موقف متجذر في التاريخ والوثائق والموقف الرسمي السوداني.

أما السيطرة المصرية القائمة على المنطقة فلا ينبغي أن تتحول، بفعل تكرارها في الخرائط، إلى حقيقة قانونية أو اعتراف دولي.

هناك فرق جوهري بين:

من يسيطر على الأرض فعليًا

وبين:

من يملكها قانونيًا وتاريخيًا.

والخريطة التي تخلط بين الأمرين لا تصبح أكثر دقة لمجرد أنها تتكرر في وسائل الإعلام الدولية.

من يملك الخريطة؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية.

إذا كانت وسائل إعلام دولية قد استخدمت خريطة تُظهر حلايب وشلاتين داخل مصر، فإن من حق الجمهور السوداني أن يعرف:

ما مصدر هذه الخريطة؟

هل هي خريطة أممية؟

إذا كانت كذلك، فمن اعتمدها؟ وعلى أي أساس؟

هل هي خريطة من وكالة أنباء؟

فمن أعدها؟

هل هي من شركة خرائط تجارية؟

فما هي قاعدة البيانات التي تعتمد عليها؟

هل أُعدت داخل المؤسسة الإعلامية نفسها؟

فمن قام بمراجعتها؟

وهل كانت المؤسسة تعلم أن المنطقة جزء من الأراضي السودانية التي تطالب بها الخرطوم؟

هذه ليست أسئلة هامشية.

إنها صميم المهنية الصحفية والشفافية الدولية.

وماذا عن النفوذ المصري؟

لا نملك في هذه اللحظة دليلًا يثبت أن الحكومة المصرية دفعت مباشرة لأي وسيلة إعلامية لاستخدام هذه الخريطة.

ولذلك لن نتهم أحدًا بما لا نستطيع إثباته.

لكن ذلك لا يمنعنا من طرح سؤال أكثر عمقًا:

هل يمكن أن يكون النفوذ المصري السياسي والإعلامي والإعلاني قد لعب دورًا في ترسيخ صورة معينة لخريطة السودان في الإعلام الدولي؟

هذا السؤال مشروع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية حدودية وسيادية حساسة.

فالدول لا تمارس نفوذها الخارجي فقط عبر البيانات الدبلوماسية.

هناك أيضًا العلاقات العامة، والإعلانات، والشراكات الإعلامية، ومراكز الدراسات، ووكالات الأنباء، وشركات الخرائط، والمحتوى الذي تنتجه أو توفره الجهات الحكومية وشبه الحكومية.

ولهذا فإن المطلوب ليس اتهامًا مسبقًا.

المطلوب شفافية. إذا لم يكن هناك أي تدخل أو تأثير، فليكن مصدر الخريطة واضحًا.

وإذا كانت الخريطة مجرد خطأ مهني، فليتم تصحيحه.

أما إذا كان هناك مصدر سياسي أو حكومي يقف خلفها، فمن حق الجمهور أن يعرف ذلك.

لماذا الآن؟

لأن توقيت ظهور هذه الخريطة لا يمكن تجاهله.

نحن أمام قرار للأمم المتحدة يحمل اسمًا بالغ الدلالة:

Correct the Map — صححوا الخريطة.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، يرى السودانيون خريطة تُظهر جزءًا من أرضهم داخل حدود دولة أخرى.

قد يكون الأمر مصادفة.

وقد يكون خطأ خرائطيًا متكررًا.

وقد يكون اعتمادًا على قاعدة بيانات دولية قديمة.

وقد يكون وراءه مصدر لم يُكشف عنه.

لكن أيًا كان السبب:

يجب أن نعرف.

لا نطلب من العالم أن يتبنى الرواية السودانية

نحن لا نطلب من الإعلام الدولي أو الأمم المتحدة أن ترسم الحدود وفقًا لرغبة السودانيين.

ولا نطالب الصحافة الدولية بحسم قضية حلايب وشلاتين من خلال مقال أو صورة.

نحن نطالب بشيء أبسط:

إذا كانت الخريطة تمثل موقفًا قانونيًا، فلتُذكر مصادرها.

وإذا لم تكن تمثل موقفًا قانونيًا، فلا ينبغي تقديمها للملايين باعتبارها حقيقة حدودية نهائية.

فالخريطة التي تُستخدم في مادة إعلامية عالمية ليست مجرد خلفية بصرية. إنها رسالة.

إلى الأمم المتحدة

نرحب بتصحيح التمثيل الخرائطي لأفريقيا.

لكننا نطالب في الوقت نفسه بأن يكون هذا التصحيح شاملًا وعادلًا.

لا يمكن أن يكون الهدف هو إزالة تشويه جغرافي عن حجم القارة، ثم السماح بتثبيت تشويه سياسي يتعلق بأراضي دولة أفريقية.

حلايب وشلاتين ليستا تفصيلًا جغرافيًا.

هما أرض سودانية.

وأي خريطة تُظهرهما ضمن مصر تحتاج إلى تفسير واضح لمصدرها وأساسها.

إذا كانت الأمم المتحدة قد استخدمت هذه الخريطة، فعليها أن توضح ذلك.

وإذا لم تكن الخريطة أممية، فعلى المؤسسات الإعلامية التي نشرتها أن تكشف مصدرها.

وإلى الإعلام الدولي: سؤالنا بسيط

إلى كل مؤسسة إعلامية استخدمت الخريطة نفسها أو خريطة مشابهة:

من أين حصلتم عليها؟

من رسمها؟

من راجعها؟

ما تاريخها؟

وما مصدر بيانات الحدود التي اعتمدتم عليها؟

وهل كنتم على علم بأن حلايب وشلاتين جزء من الأراضي التي يطالب بها السودان وأن مصر تسيطر عليها؟

هذه الأسئلة لا تمثل ضغطًا على الصحافة.

بل هي حق الجمهور في معرفة مصدر المعلومة التي تقدم له باعتبارها حقيقة.

لا نريد أن تتحول السيطرة إلى سيادة على الورق

أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تستخدم صحيفة خريطة خاطئة مرة واحدة.

الأخطر هو أن تتكرر الخريطة.

ثم تنقلها وكالة أنباء.

ثم تستخدمها مؤسسة دولية.

ثم تدخل إلى الكتب والمناهج وقواعد البيانات الرقمية.

ثم تصبح بعد سنوات «الحقيقة التي يعرفها الجميع».

هكذا يمكن للخريطة أن تصنع واقعًا سياسيًا في الوعي العام قبل أن يصنعه القانون.

ولهذا فإن الصمت الآن ليس خيارًا حكيمًا.

ليس لأننا نملك دليلًا على مؤامرة.

بل لأننا لا نريد أن نكتشف بعد سنوات أن الخطأ الذي كان يمكن تصحيحه في يوم واحد أصبح «حقيقة خرائطية» يصعب تغييرها.

صححوا الخريطة كاملة

إذا كان العالم جادًا في تصحيح الخرائط، فليبدأ من المبدأ نفسه:

لا تشويه لأفريقيا.

لا تشويه لتاريخها.

لا تشويه لحدود دولها.

ولا تحويل للسيطرة العسكرية إلى سيادة من خلال تكرارها على الخرائط.

نحن لا نطالب بامتياز للسودان.

نطالب بالدقة.

نطالب بالشفافية.

نطالب بأن يعرف العالم مصدر الخرائط التي يستخدمها.

ونطالب بأن لا تتحول الخرائط إلى أدوات صامتة لإعادة كتابة التاريخ والحدود.

فحلايب وشلاتين سودانيتان.

والسؤال الذي نطرحه اليوم ليس: «من نصدق؟»

بل:

من رسم الخريطة؟

ومن اختارها؟

ولماذا؟

ومن المستفيد من أن يراها العالم بهذه الصورة؟

هذه الأسئلة تستحق إجابة.

حلايب وشلاتين سودانيتان.

إيقاف الحرب ضرورة حتمية.

https://dar-talks.com/ar/journal/who-corrects-the-map-of-sudan/

متاحة بـ:ENFRع